منصبٌ يُشغَل ومعيارٌ لا يُنشر: قراءة في التعيينات الدبلوماسية
البعثة التي لا يُعرف كيف يُختار من يرأسها تُقاس بصلاته لا بعملها، وأوّل من يدفع ثمن ذلك مراجعوها.

نشرنا اليوم خبراً عن تعيين سفيرة للسلطة لدى بيرو، وما أثاره من انتقادات ربطت الاختيار بالصلة لا بالمسار الوظيفي. وكنّا نشرنا قبله بأيام خبرين متّصلين بالملفّ نفسه: توقيف النيابة العامة قنصلَ السلطة في دبي على ذمّة التحقيق بشبهات فساد، ومطالبة السلطة لبنانَ باسترداد سفيرها السابق الموقوف لديه. وقبل ذلك شهادات مغتربين من قطاع غزة عن تعطّل معاملاتهم في البعثات وتقديم أصحاب الواسطة عليهم.
الوقائع الأربع متفرّقة في أسبابها، لكنها تلتقي عند سؤال واحد: بأي قاعدة يدخل الموظّف إلى هذا السلك، وبأي قاعدة يخرج منه.
حين يغيب المدخل يغيب المخرج معه
الجهاز الذي لا يُعلن شروط الالتحاق به لا يملك في الغالب شروطاً معلنة للمحاسبة فيه. فالمحاسبة تقيس أداءً على معيار سابق عليه، وحين لا يوجد معيار منشور يصير كل إجراء تأديبي واقعةً منفردة تُقرأ في سياق خصومة أو رضا، لا في سياق نظامٍ يطبَّق على الجميع.
وهذا ما يجعل توقيف مسؤول بعثةٍ بشبهات مالية خبراً يُقرأ قراءتين متضادّتين في اليوم نفسه: بوصفه دليل انضباط، أو بوصفه دليل انفلات سبقه. والقراءتان تصحّان معاً ما دام ما يفصل بينهما — النظام المكتوب — غير معروض للقارئ.
الكلفة تقع على الشبّاك لا على المنصب
المغترب الذي ينتظر تصديق وثيقة لا يعنيه من عُيّن ولا كيف. يعنيه أن يُنجَز طلبه في مدّة معلومة، وأن يكون ترتيب الدور محكوماً بتاريخ التقديم لا بمعرفةٍ داخل المبنى.
فحين تصل إليه شهادات عن أسبقية أصحاب الواسطة، يتغيّر سلوكه هو لا سلوك البعثة: يبدأ بالبحث عمّن يعرف قبل أن يبدأ بتجهيز أوراقه، فيتحوّل الاستثناء إلى الطريق المعتاد لأن الناس عاملوه بوصفه كذلك.
ما الذي يُصلح هذا فعلاً
لا يُصلحه نفيٌ يصدر بعد كل واقعة. يُصلحه نصٌّ منشور: شروط التعيين في البعثات، ومدّة الولاية، ومسار التظلّم لمن تأخّرت معاملته، وجهةٌ تُراجَع عندها الشكوى ويُعلَن ما انتهت إليه.
والنشر في هذا الباب ليس ترفاً إدارياً. هو ما يحوّل التعيين من خبرٍ يُتنازع في تفسيره إلى إجراء يمكن قياسه، ويعفي من وقع عليه الاختيار من أن تُقرأ كفاءته في اسم عائلته.


