خبير اقتصادي: ترشيد الإنفاق يجب أن يبدأ من كبار المسؤولين لا من الموظفين
احتجاز المقاصة وتراجع المنح سببان خارجيان، أمّا الترقيات والبدلات والسيارات الحكومية فبنودٌ داخلية يمكن ضبطها بقرار.

قال الخبير الاقتصادي هيثم دراغمة إنّ الأزمة المالية الفلسطينية مركّبة، تجتمع فيها قيود يفرضها الاحتلال على الاقتصاد واحتجازٌ لأموال المقاصة وتراجعٌ في الدعم الخارجي، مع خللٍ داخلي في إدارة المال العام لا يُعفى منه أحد بوجود العوامل الخارجية.
وأوضح أنّ معالجة العجز لا تكتمل بمطالبة الدول المانحة بمزيد من المساعدات ولا بانتظار الإفراج عن أموال المقاصة، وأنّ مدخلها مراجعة أولويات الإنفاق داخل مؤسسات السلطة نفسها.
ودعا إلى وقف ما وصفه بـ«نزيف المال العام» بخطوات محدّدة: وقف الترقيات غير الضرورية، وضبط البدلات والمصاريف، ومراجعة ملفّ السيارات الحكومية والامتيازات الممنوحة لكبار المسؤولين، وإعادة هيكلة المؤسسات الرسمية للحدّ من التوسّع الإداري الذي يثقل الموازنة.
وشدّد على أنّ سياسة التقشّف لا تصحّ إن اقتصرت على الموظفين وأصحاب الرواتب المحدودة وبقيت مستويات الإنفاق والامتيازات في المؤسسات العليا خارج المراجعة، وأنّ الترشيد ينبغي أن يبدأ من القيادة وكبار المسؤولين قبل أن يمتدّ إلى الفئات الأكثر هشاشة.
ولم يصدر تعقيب رسمي على هذه الدعوات حتى لحظة نشرنا.
البند الذي يُخفَّض والبند الذي لا يُمسّ
العجز المالي لا يُدار في الهواء؛ يُدار باختيار البند الذي يتأخّر صرفه والبند الذي يُصرف في موعده. وحين يتكرّر أن يقع التأخير على الرواتب والمستحقّات والبرامج الاجتماعية، يصير السؤال عن حجم العجز أقلّ أهمّية من السؤال عن توزيع كلفته.
وهذا التوزيع هو ما يمسّ حياة آلاف الأسر التي يعتمد دخلها بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الراتب الحكومي أو على المساعدة. فالأسرة التي ينقص دخلها لا تُخفّض التزاماتها بالنسبة نفسها، والفارق بين الاثنين دَينٌ يتراكم عليها لا على الموازنة.
ما الذي يتغيّر حين يُنشر بند الإنفاق
دعا دراغمة إلى خطة إصلاح مالي معلنة تتضمّن نشر بنود الإنفاق العام بشفافية أوسع، ومراجعة العقود والمشتريات الحكومية، وتعزيز أدوات الرقابة والتدقيق، وربط كلّ نفقة بأثرها الفعلي على الخدمة التي تصل إلى المواطن.
والنشر هنا ليس إجراءً شكلياً. البند الذي يبقى غير معلن لا يمكن الاعتراض عليه أصلاً، لأنّ الاعتراض يحتاج رقماً يُقارَن به. أمّا البند المعلن فيصير قابلاً للمساءلة من الرقابة ومن الموظف ومن دافع الضريبة معاً، وهذا وحده يغيّر كلفة الإبقاء عليه.
اقتصاد معلّق بقرار غيره
ورأى أنّ الخروج من الأزمة يحتاج مسارين متوازيين: خفض النفقات غير الضرورية وتعزيز الشفافية والرقابة من جهة، وبناء مصادر إيرادات أكثر استدامة تقلّل الاعتماد شبه الكامل على أموال المقاصة والمنح من جهة أخرى.
وحذّر من أنّ اقتصاداً يبقى معلّقاً بقرار الاحتلال وبمواقف المانحين لا يبلغ استقراراً مالياً طويل الأمد، وأنّ استمرار الوضع الحالي يجعل الموازنة رهينة لعوامل سياسية وأمنية خارجية، ويترك الموظفين والمواطنين في مواجهة مباشرة مع نتائج كلّ أزمة جديدة.


