شرطةٌ يُسحب سلاحها: قراءة في حادثة بيت جالا
الصلاحية التي تحتاج إذناً يمكن سحبه في لحظة ليست صلاحية بل ترخيصاً مؤقّتاً، والحادثة تقيس ذلك أدقّ من أي نصّ مكتوب.

نشرنا هذا الأسبوع خبراً عن اقتحام محيط مستشفى للتأهيل في بيت جالا غرب بيت لحم، واحتجاز مركبة شرطة فلسطينية وشرطيَّين، ومصادرة مسدّس أحدهما.
قرأنا الخبر يومها من جهة المستشفى: ما الذي يعنيه أن يصير محيط منشأة صحّية موضعَ إجراء. وما يلي قراءةٌ في تفصيلته الأخيرة — المسدّس — وما تقيسه.
المسدّس ليس تفصيلاً هامشياً في الخبر
سلاح الشرطي ليس أداةً شخصية بل علامةُ الصفة التي يعمل بها. هو ما يميّزه، في لحظة الاشتباك مع أي طرف، عن مواطنٍ يقف في المكان نفسه.
ولذلك فإن سحبه لا يُقرأ في خانة المصادرات. المصادرة تنقل شيئاً من يدٍ إلى يد؛ أما سحب سلاح شرطيٍّ أمام الناس فيقول شيئاً عن الصفة لا عن الشيء: إن الجهة التي منحته إياه ليست الجهة الأخيرة التي تقرّر بقاءه في يده.
الصلاحية التي تُمارَس بإذن
الصلاحية في تعريفها العملي ليست ما هو مكتوب في نصّ، بل ما يستطيع صاحبها أن يفعله حين يُختبر. والاختبار لا يقع في الأيام العادية — في الأيام العادية تعمل الدوريات وتُنظَّم الحركة ويبدو كل شيء في موضعه.
الاختبار يقع في اللحظة التي يتقاطع فيها إجراءان. وما جرى في بيت جالا هو نتيجة هذا التقاطع مسجَّلةً بلا لبس: الطرف الذي يملك سحب الإذن سحبه، والطرف الآخر لم يكن أمامه ما يفعله.
وحين تتكرّر هذه اللحظة، لا تتغيّر النصوص ولا الهياكل ولا المسمّيات. يتغيّر شيء واحد: تقدير الناس لما تستطيع الجهة القريبة منهم أن تقدّمه فعلاً.
أثر ذلك على من يطلب الشرطة
الشرطة مؤسّسة تعمل بافتراضٍ متبادل: المواطن يطلبها لأنه يفترض أنها تستطيع، وهي تحضر لأنها تفترض أن حضورها كافٍ لإنهاء المسألة.
وحادثةٌ كهذه تمسّ الافتراض من طرفيه في وقتٍ واحد. فمن وقع عليه اعتداءٌ قد يتردّد في الاتصال، لا لأنه لا يثق بمن سيأتي بل لأنه لا يعرف ما الذي سيملكه حين يأتي. ومن سيأتي يعرف هذا أيضاً.
والكلفة هنا لا تظهر في محضرٍ ولا في إحصاء: تظهر في البلاغات التي لم تُقدَّم، وفي المسائل التي يذهب أصحابها لتسويتها بينهم. وهذا هو ما يترتّب على الحادثة بعد أن ينصرف من فيها، وهو أطول أثراً من ساعتها.


