كواليس
تحليل

جهازٌ مدنيّ في مرمى القصف: قراءة في تكرار استهداف شرطة غزة

الجهاز الذي ينظّم السوق ويؤمّن قوافل المساعدات ليس طرفاً في قتال، وغيابه يُقاس في الشارع لا في البيانات.

م
مكتب الرأيمكتب تحرير ثابت — لا اسم شخص
دقيقة قراءة
صورة أرشيفية تُظهر المكان لا الحادثة الموصوفة. التقاط: DYKT Mohigan · CC BY 2.0

نشرنا اليوم خبراً عن قصف مقرّ شرطة البلديات وسط مدينة غزة، أعلنت فيه وزارة الداخلية سقوط شهداء وجرحى من ضبّاط الشرطة المدنية وعناصرها، ووصفت الاستهداف بأنه متواصل لا واقعة مفردة.

قرأنا الخبر يومه من جهة حصيلته. وما يلي قراءةٌ في تفصيلته الأولى: صفة الجهاز الذي وقع عليه القصف، وما يترتّب على تعطّله في مدينة مكتظّة.

ما الذي تفعله شرطة البلديات فعلاً

هذا الجهاز لا يخوض قتالاً ولا يحرس جبهة. عمله في مستوى أدنى وأقرب: ضبط الباعة في السوق، وفضّ الخصومات الصغيرة، وتنظيم الحركة في شوارع تضيق بالنازحين، ومرافقة ما يدخل من مساعدات حتى يصل إلى نقطة التوزيع.

وهذه الأعمال لا تظهر في تقرير ما لم تتوقّف. فحين تتوقّف، تظهر كلها دفعةً واحدة: طابور يتحوّل إلى تدافع، وشحنة تُفرَّغ في غير مكانها، وسعر يرتفع لأن لا أحد يسأل عنه.

الفرق بين حادثة وسلسلة

الحادثة المفردة تُقاس بحصيلتها: كم سقط وكم أصيب. أما تكرارها على صفةٍ واحدة فيُقاس بشيء آخر: بما يفعله من يحملون تلك الصفة في اليوم التالي.

ومن يعمل في جهاز يتكرّر استهداف مقارّه لا يعود إلى موقعه بالطريقة نفسها. يقلّ الحضور في المقارّ الثابتة، وتتباعد النقاط، ويصير الاتصال بالجهاز أبطأ. لا يصدر قرار بهذا، لكنه يقع.

من يملأ الفراغ

الفراغ الأمني في مدينة مكتظّة لا يبقى فراغاً. يملؤه من يستطيع: العائلة الكبيرة، أو من يملك سلاحاً، أو من يفرض سعره في السوق لأن لا جهة تراجعه.

وهذا هو الأثر الذي لا يظهر في أي حصيلة معلنة، ولا يُصلَح بانتهاء الاستهداف: إعادة بناء ثقة الناس بأن هناك من يُرجَع إليه تستغرق وقتاً أطول بكثير من إعادة بناء مقرّ.