كواليس
تحليل

ثمن الشكّ: قراءة في ما يخسره القارئ حين تصير القناة طُعماً

الضرر الأكبر لا يقع على من ردّ على الرسالة، بل على آلاف لم تصلهم رسالة أصلاً وصاروا يتعاملون مع كل قناة على أنها احتمال.

م
مكتب الرأيمكتب تحرير ثابت — لا اسم شخص
دقيقتا قراءة
صورة أرشيفية تُظهر المكان لا الحادثة الموصوفة. التقاط: Mounir.Kleibo · CC BY-SA 4.0

نشرنا اليوم خبراً عن أساليب استدراج تعتمد على قنوات تقدّم نفسها مصادر إخبارية، وعلى حسابات تنتحل هويّات فلسطينية، وتبدأ برسالة وتنتهي بابتزاز.

الخبر في ظاهره عن أفراد وقعوا أو كادوا. وفي أثره هو عن شيء آخر تماماً.

العطب يقع في الوسيلة لا في الرسالة

حين تُستعمل صيغة الخبر العاجل طُعماً، فإن ما يتضرّر ليس القناة الواحدة التي تبيّن أنها واجهة، بل الصيغة نفسها. القارئ الذي عرف أن قناةً كان يتابعها لم تكن ما تدّعيه لا يحذفها وحدها من قائمته، وإنّما يخفض ثقته في كل ما يشبهها.

وهذه خسارة لا تُعوَّض بالتحذير. التحذير يقول للقارئ «انتبه»، ولا يقول له كيف يميّز، فيستقرّ على أرخص قاعدة متاحة: الشكّ في الجميع.

من يدفع الثمن فعلاً

الشكّ العامّ يبدو حصانة وهو ليس كذلك. القارئ الذي يشكّ في كل شيء لا يصير أصعب على الاستدراج، بل يصير أسهل عليه: من لا يملك معياراً يميّز به يستسلم في النهاية إلى ما يصله أكثر، أو إلى ما يقوله من يعرفه شخصياً مهما كان بعيداً عن الواقعة.

والثمن يقع كذلك على من ينقلون معلومة صحيحة عن أحيائهم بلا مقابل. هؤلاء لا يملكون ما يثبتون به أنهم ليسوا واجهة، فيصير حضورهم نفسه محلّ سؤال، وتضيق المساحة التي كانت تُملأ بمعلومة محلّية دقيقة.

ما يترتّب على من يقرأ القنوات مهنةً

نحن جزء من هذه المسألة لا مراقبون لها من خارجها. موقعنا يقرأ ما تنشره القنوات ويكتب منه، وهذا يفرض قاعدة واحدة لا استثناء فيها: المنشور لا يصير خبراً لأنه نُشر، ولا لأن قناةً أخرى أعادت نشره.

الواقعة تُكتب حين يكون فيها ما يستطيع القارئ أن يتحقّق منه بنفسه — مكانٌ يعرفه، أو جهةٌ يستطيع أن يسألها، أو أثرٌ يراه في يومه. وما دون ذلك يُترك، حتى لو كان الأكثر تداولاً في يومه.

وهذا هو الفرق العملي بين أن نتابع القنوات وأن تقودنا: الأولى تعني أن نأخذ منها ما يصمد أمام سؤال القارئ، والثانية تعني أن ننقل ما يصلنا لأنه وصل. والفرق بين الاثنتين هو بالضبط ما يستهدفه من يصنع قناةً على شكل مصدر إخباري.