مافيا الكاش.. كيف يتكسب تجار الحرب والاحتلال من أزمة السيولة في غزة؟
عمولات تصل إلى 50% تفرض على المحاصرين لتحويل الأموال الورقية، فيما يحذر رياض السوافيري من تركز السيولة لدى فئة قليلة ويصف وسام عفيفة الظاهرة باستغلال حاجة الجائع.

في وقتٍ يحاصر فيه الاحتلال غزة بالجوع والإبادة، ظهر في الخفاء "مافيا الكاش" كوجهٍ آخر لسنوات الحرب والاستغلال، فمبين سياسة احتكار السيولة النقدية والتكسب من دماء المحاصرين ومطاردة لقمة عيشهم، يتحالف جشع تجار الحرب مع مخططات الاحتلال لخنق ما تبقى من مقومات الحياة.
وتشير المعطيات الرسمية والتجارية إلى تجميد واحتجاز ملايين الشواكل خارج دورة التداول اليومي، تتركز لدى فئة محدودة من كبار التجار وأصحاب رؤوس الأموال، وسط رفض بعضهم التعامل بالنقد "الكاش"، مما يضاعف الأعباء المعيشية على الأهالي.
ويكشف القائم بأعمال الغرفة التجارية في قطاع غزة، رياض السوافيري، عن احتجاز ما بين 400 و500 مليون شيكل خارج التداول اليومي، محذراً من تداعيات تركز هذه الكتلة النقدية لدى فئة قليلة من أصحاب رؤوس الأموال بدلاً من سريانها في الأسواق.
هذا التحول القسري يجبر المستهلك على دفع عمولات تتراوح بين 10% و50% لوكلاء وتجار مقابل تحويل أموالهم الورقية إلى أرصدة إلكترونية، أو قبول أوراق نقدية اهترأت بفعل عدم دخول أي أوراق مالية جديدة إلى القطاع منذ بدء حرب الإبادة.
فظاهرة "التكييش" التي برزت بقوة خلال أزمة السيولة النقدية خلال شهور الحرب، كان المقصود بها حصول الشخص على أموال نقدية مقابل دفع عمولة لمن يملك الكاش، سواء كان تاجراً أو جهة تتوافر لديها السيولة الورقية.
لكن المشهد بدأ ينقلب مع تغيّر الطلب على النقد، فبدل أن يدفع صاحب المال للحصول على الكاش، بات بعض حاملي الأوراق النقدية يبحثون عمن يقبل تحويلها إلى أرصدة بنكية أو إلكترونية، حتى لو كان ذلك مقابل عمولة.
المختص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر أكد أن رفض بعض التجار التعامل بالكاش يفاقم معاناة المواطنين، إذ قد يحرم أسرا من شراء احتياجات أساسية مثل الخبز والخضراوات والدواء.
وأوضح أبو قمر أن إجبار المستهلك على الدفع الإلكتروني قد يحمله عمولات إضافية، خصوصاً عندما يضطر إلى الاستعانة بوسيط لتصريف النقد أو تحويله إلى رصيد إلكتروني.
وأشار إلى أن هذه الممارسات تزيد الأعباء المالية على المواطنين، بدلاً من مراعاة الظروف الاستثنائية التي يعيشونها وتستدعي معالجة تضمن عدم تحميلهم تكاليف إضافية بسبب أزمة السيولة.
من جهته، قال الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة إن الاحتلال اختار ثلاثة عشر تاجراً في زمن الحرب، مضيفاً أن "للرغيف ثلاثة عشر ممثلاً، وللجائع لا أحد".
وربط عفيفة بين المنسق الذي يتحكم بمفتاح المعبر، والتاجر الذي يدير دفتر التنسيق، والمواطن الذي يدفع الثمن من قوته اليومي، معتبراً أن هذه المعادلة تضع الغذاء في يد مجموعة محدودة، بينما يغيب المواطن عن القرار.
وتساءل عفيفة عن أسباب اختيار هؤلاء التجار، وعن الجهات التي عطلت التوريد والجهات التي استفادت من الوضع القائم، داعياً إلى فتح تحقيق في آلية التنسيق ومحاسبة كل من يثبت استغلاله حاجة السكان.
ومن جهته، استنكر تحالف منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، رفض قبول النقد الورقي من المواطنين في المعاملات اليومية، مطالباً بتدخل حكومي ورسمي عاجل للحد من هذه الممارسات.
وأوضح التحالف، في بيان له، اليوم الأحد، أن التعامل النقدي لا يزال الركيزة الأساسية لإجراء المعاملات المعيشية لقطاعات واسعة من أبناء شعبنا، لاسيما الفئات الأكثر هشاشة كالأسر الفقيرة، والنازحين، وكبار السن، وأولئك الذين لا يملكون حسابات مصرفية أو وسائل دفع إلكترونية متاحة.
وأكد أن فرض وسائل دفع بديلة أو رفض "الكاش" بصورة تعسفية يحد من قدرة المواطنين على تأمين احتياجاتهم الأساسية ويزيد من أعبائهم.
وطالب التحالف الجهات المختصة باتخاذ إجراءات قانونية ورقابية حازمة بحق المخالفين للتشريعات والتعليمات النافذة، داعياً كلاً من وزارة المالية برام الله، وسلطة النقد، والمصارف، والغرف التجارية، إلى اتخاذ موقف واضح ينظم القواعد الناظمة لقبول النقد ووسائل الدفع، ووضع آليات فعالة معالجة شكاوى المواطنين.
ويأتي ذلك بالتزامن مع وقف الاحتلال التنسيقات التجارية بدعوى رفض فرض رسوم مالية على الشاحنات، وهو ما نفته مؤسسات أهلية ونقابية في القطاع جملةً وتفصيلاً.
وقال المكتب الإعلامي الحكومي في القطاع، إن مزاعم وأكاذيب "المنسق" الإسرائيلي تأتي في إطار حملة تضليل سافرة تهدف إلى تبرير سياسات الحصار والتجويع المستمرة ضد القطاع.
وأوضح الإعلامي الحكومي، في بيان صحفي، أن الاحتلال يحاول اختلاق روايات باطلة حول آليات تنظيم الحركة التجارية ودخول البضائع، مروّجاً ادعاءات كاذبة حول فرض مبالغ مالية بالقوة على التجار وتشويه إجراءات التداول النقدي، للتهرب من الاستحقاقات الإنسانية وتبرير فرض قيود جديدة.



